تقديم
علم النفس هو علم كباقي العلوم، وهو فرع من فروع العلوم، مثله مثل الفيزياء،
الرياضيات، الكيمياء، البيولوجيا، علم الاجتماع، ......، هذه العلوم كانت بدايتها بين اقدام
الفلسفة، التي كانت بمثابة المحتضنة والشاملة في جميع مواضيعها، قبل ان تنسلخ
وتستقل فيما بعد كل هذه العلوم التي نعرفها اليوم، واخر هذه العلوم، علم النفس ليصبح
اخر العنقود الذي يستقل عن الفلسفة، بالتالي تصبح الفلسفة كالأم الثكلى التي فقدت جميع
ابناءها.
في البداية كانت الفلسفة تدرس جميع الظواهر، وجميع التخصصات، وجميع المواضيع،
وكان الفيلسوف يبحث في جميع هذه الظواهر والمواضيع، او ما نسميه اليوم
بالتخصصات العلمية، معتمدا على مجموعة من الوسائل واالدوات كالمالحظة والتأمل
والتجربة، بعد ذلك سيبدأ الانشقاق والاستقالل عن الفلسفة، بدءا من العلوم الحقة
كالرياضيات، وصولا الى باقي العلوم كعلم النفس، لكن يبقى السؤال الأهم هو كيف جاء
هذا الاستقلال؟
فإذا اخذنا مثال لعلم الفيزياء، وهو فرع من فروع العلوم الطبيعية، يهتم بدراسة خصائص
المادة، وإيجاد مختلف القوانين الفيزيائية التي تفسر كل الظواهر التي تحدث في عالمنا،
بحيث يعتمد في دراسته لهذا الموضوع بالأخص على التجربة العلمية، بهذا يكون علم
الفيزياء وجد لنفسه موضوعا خاصا به ينفرد بدراسته لوحده، دراسة شاملة من كل
الجوانب، هذا الموضوع ومن اجل دراسته لابد من أدوات او وسائل مناسبة
. لذلك نتحدث عن شرطين مهمين واساسيين لكل فرع من العلوم، هما الموضوع والمنهج.
ماذا يدرس علم النفس؟
علم النفس بصفة عامة يدرس الانسان، والسؤال الأهم هو أي جانب من الانسان يدرس
هذا التخصص، واية وسيلة يستعمل في دراسته لموضوعه؟
فمن اهم وأعظم موضوعات العلم وأكثرها تشويقا، دراسة الانسان والطرق التي يتبعها
في سلوكه وافكاره ومشاعره وكذلك انفعالاته، وعلم النفس هو من بين المواضيع التي
تهتم بالطبيعة البشرية، مثله مثل مجموعة من التخصصات التي تهتم بالإنسان كموضوع
لها، غير ان لكل علم من هذه العلوم يحدد لنفسه زاوية يطل منها على الانسان،
كالبيولوجيا التي تدرس التطور العضوي للإنسان وغيره من الكائنات الحية،
والفيزيولوجبا التي تدرس وظائف الأعضاء لدى الكائنات الحية وخصوصا الانسان، وعلم
الاجتماع الذي يدرس حياة الجماعة والظواهر االجتماعية المتنوعة،...الخ.
فلما ظهر علم النفس كعلم مستقل لذاته، استطاع ان يحدد لنفسه موضوعا محددا، او
موقعا او زاوية يطل منها على الانسان، هذه الزاوية هي السلوك والسيرورات الذهنية،
للإجابة على مجموعة من الأسئلة أهمها: كيف يفكر الانسان؟ كيف يفكر؟ كيف يدرك
بيئته؟ كيف يتصرف في مختلف الوضعيات؟ ....
بالتالي فعلم النفس يتخذ من السلوك وسيلة وموضوعا لدراسة جميع الاتجاهات النفسية،
الوجدانية والمعرفية، والسلوك هو كل فعل يصدر عن الانسان، سواء كان ظاهرا كالمشي
الجري، الكتابة، الاكل، الضحك، ...، او سلوكا غير ظاهري، باطني، كمختلف السيرورات
الذهنية، والسيرورات الذهنية هي كل ما يصدر عن الفرد من نشاط معرفي، كالإدراك،
التذكر، التعلم، الانتباه، الذاكرة، ....، او كل ما هو وجداني انفعالي، أي كل ما يستشعره
الانسان من تأثيرات وجدانية، كالإحساس باللذة والالم، الشعور بالضيق والارتياح،
بالحزن والفرح.
نبذة عن تاريخ علم النفس:
يقول "إبنجهاوس": )علم النفس له ماض طويل، وتاريخ قصير(. بحيث يمكن تتبع هذا
الماضي الطويل عند قدماء المصريين وفالسفة اليونان وحكماء الصين منذ بضعة آلاف
من السنين، وأما التاريخ القصير فهو يصل إلى قرن وربع، وتحديدا سنة 1879 عندما
أنشأ "وليام فوندت" اول مختبر لعلم النفس بمدينة ليبزج الألمانية، ليعلن بذلك وبشكل
رسمي والدة علم جديد وهو علم النفس.
كما لخص "وودورث Woodworth. S Robert "تاريخ علم النفس بالعبارة التالية
)ان علم النفس عند اول ظهوره زهقت روحهُ، ثم خرج عقله، ثم زال شعوره ولم يبقى
منه إلا المظهر الخارجي وهو السلوك.
أي ان علم النفس في بدايته كان يبحث أولا في الروح، خاصة مع الفلسفة اليونانية
والفلسفة الدينية المسيحية والإسلامية، ثم صار يبحث في العقل بدلا من الروح، على
اعتبار ان البحث في الروح هو من اختصاص العلماء الروحانيين، بعد ذلك اقترن
بالشعور، ليستقر في الأخير على موضوع السلوك.
0 تعليقات